ابن خلدون

184

تاريخ ابن خلدون

القمط حتى إذا أشرف على أخذه بعث بطرة إلى بعض الزعماء سر النيل النزول في جواره فأجابه ووشى به لأخيه القمط فكبسه في بيت ذلك الزعيم وقتله سنة ثنتين وسبعين وسبعمائة واستولى القمط على ملك بنى ادفونش أجمع واستنزل ابن أخيه بطرة من قرمونة وقد كان اعتصم بها بعد مهلك أبيه مع وزيره مرتين لبس هو واستقام له ملك قشتالة ونازعه البلنس غالس ملك الإفرنجة بالابن الذي هو من بنت بطرة على عادة العجم في تمليك ابن البنت محتجا بأن القمط لم يكن لرشدة واتصلت الحرب بينهما وشغله ذلك عن المسلمين فامتنعوا من الجزية التي كانت عليهم لمن قبله وهلك هذا القمط سنة احدى وثمانين وسبعمائة فملك ابنه سانجة وفر ابنه الاخر غرمس إلى غرناطة ثم رجع إلى نواحي قشتالة والامر على ذلك لهذا العهد وفتنتهم مع الفنش ملك الفرنج موصولة وعاد يتهم لذلك عن المسلمين مرفوعة والله من ورائهم محيط واما ملك البرتغال بجهة اشبونة غرب الأندلس ومملكته صغيرة وهي من أعمال جليقية وصاحبها لهذا العهد متميز بسمته وملكه مشارك لابن ادفونش في نسبه ولا أدرى كيف يتصل نسبه معهم واما ملك برشلونة بجهة شرق الأندلس فعمالتهم واسعة ومملكتهم كبيرة تشتمل على برشلونة بجهة وارغون وشاطبة وسرقسطة وبلنسية وجزيرة دانية وميورقة وبنورقة ونسبهم في الفرنج وسياق الخبر عن ملكهم ما نقل ابن حبان ان الغوط الذين كانوا بالأندلس كانوا قديما في ملك الفرنج ثم اعتزوا عليهم وامتنعوا ونبذوا إليهم عهدهم وكانت برشلونة من ممالك الفرنج وعمالاتهم فلما جاء الله بالاسلام وكان الفتح قعد الفرنج عن نصر الغوط لتلك العداوة فلما انقضى أمر الغوط زحف المسلمون إلى الفرنج فأزعجوهم عن برشلونة وملكوها ثم تجاوزوا الدروب من ورائها إلى البسائط بالبر الكبير فملكوا من قواعدها جزيرة أربوبة وما إليها من تلك البسائط ثم كانت فترة عند انقراض الدولة الأموية بالمشرق وبداية الدولة العباسية افتتن فيها العرب بالأندلس وانتهز الفرنج فرصتهم فارتجعوا بلادهم إلى برشلونة فملكوها لهذا العهد مائتين من الهجرة وولوا عليهم من قبلهم وصار أمرها راجعا إلى ملك رومة من الفرنجة وهو قار له الأكبر وكان من الجبابرة ثم ركبهم من الخلاف والمنافسة في أوقات ضعفهم واختلاف ملوكهم كالذي ركبه المسلمون من ضعفت يده من الملوك فاقتطع الأمراء نواحيهم بكل جهة فكان ملوك برشلونة هؤلاء ممن اقتطع عمله وكان ملوك بنى أمية لأول دولتهم يتراضون بمهادنة هؤلاء الملوك أهل برشلونة حذرا من مدد صاحب رومة ثم صاحب القسطنطينية من ورائه فلما كانت دولة المنصور بن أبي عامر بين اقطاع برشلونة عن ملك الفرنج شمر المنصور لغزوهم